صديق الحسيني القنوجي البخاري
46
فتح البيان في مقاصد القرآن
ابن عباس ومجاهد أنهما قرأ برفعهما فرفع الأول على ما تقدم ؛ ورفع الثاني بالابتداء ؛ وخبره الجملة المذكورة بعده والعائد محذوف . وقرىء بخفضهما على تقدير حرف القسم ، قال الفراء : كما يقول اللّه عزّ وجلّ لأفعلن كذا ، وغلطه أبو العباس ثعلب ، وقال : لا يجوز الخفض بحذف مضمر ، وقيل : جملة لأملأن جواب القسم على قراءة الجمهور ، وجملة والحق أقول معترضة بين القسم وجوابه . مِنْكَ أي من جنسك من الشياطين وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أي من ذرية آدم ، فأطاعوك إذ دعوتهم إلى الضلالة والغواية ، و أَجْمَعِينَ تأكيد للمعطوف والمعطوف عليه ، وجوز الزمخشري أن يكون تأكيدا للضمير في منهم خاصة ، أي لأملأن جهنم من الشياطين ومن تبعهم من جميع الناس ، لا تفاوت في ذلك بين ناس وناس ، ثم أمر اللّه سبحانه رسوله أن يخبرهم بأنه إنما يريد بالدعوة إلى اللّه امتثال أمره ، لا عرض الدنيا الزائل فقال : قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ الضمير في عليه راجع إلى تبليغ الوحي ولم يتقدم له ذكر ولكنه مفهوم من السياق ، وقيل هو عائد إلى ما تقدم من قوله أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا وقيل : الضمير راجع إلى القرآن ، وقيل إلى الدعاء إلى اللّه على العموم ، فيشمل القرآن وغيره من الوحي ، ومن قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمعنى ما أطلب منكم من جعل تعطونيه عليه قال ابن عباس قل يا محمد : ما أسألكم على ما أدعوكم إليه من أجر عرض دنيا . وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ أي المتصنعين بما ليسوا من أهله حتى انتحل النبوة وأتقول القرآن من تلقاء نفسي وأقول ما لا أعلم أو أدعوكم إلى غير ما أمرني اللّه بالدعوة إليه ، والتكلف التصنع . وفي البخاري ومسلم وغيرهما عن مسروق قال : بينما رجل يحدث في المسجد فقال فيما يقول يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ [ الدخان : 10 ] قال : دخان يكون يوم القيامة يأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم ويأخذ المؤمنين كهيئة الزكام ، قال قمنا حتى دخلنا على عبد اللّه وهو في بيته وكان متكئا فاستوى قاعدا فقال يا أيها الناس من علم منكم علما فليقل به ، ومن لم يعلم فليقل : اللّه أعلم فإن من العلم أن يقول العالم لما لا يعلم : اللّه أعلم قال اللّه تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم : قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ « 1 » [ ص : 86 ] .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 30 ، في الترجمة ، باب 3 ، ومسلم في صفات المنافقين حديث 39 .